منتدى البابا كيرلس ومارمينا يرحب بكم

كن مطمئنا جدا جدا ولا تفكر فى الامر كثيرا بل دع الامر لمن بيده الامر
 
الرئيسيةس .و .جبحـثالتسجيلالأعضاءالمجموعاتدخول

شاطر | 
 

 تفسير نشيد الانشاد الاصحاح7,8

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
mony22



عدد الرسائل : 1
تاريخ التسجيل : 20/10/2010

مُساهمةموضوع: تفسير نشيد الانشاد الاصحاح7,8    الأربعاء أكتوبر 20, 2010 5:11 am


الأصحاح السابع


3
وصفه للعروس "شولميث"

إذ دخل العروسان الحديقة وتبادل الطرفان الحب الزوجي خلال الوحدة الروحية الأبدية، يصف العريس عروسه – الكنيسة – مقدمًا تشبيهات مختلفة عن السابقة، إذ يُناجيها هكذا:
١. "مَا أَجْمَلَ خطواتك (رِجْلَيْكِ) بِالنَّعْلَيْنِ يَا بِنْتَ الأمير!" [١].

يلقبها "بنت الأمير"[1] إذ هي منتسبة لله، وُلدت من الماء والروح كابنة للملك السماوي. لهذا دُعيت في المزمور (٤٥: ١٣) "ابنة الملك". فإن كانت في أصلها (بعد السقوط) حقيرة ومزدرى بها، لكن بانتسابها لله حملت أصلاً ملوكيًا.
لقد سبق أن مدحت العروس عريسها (نش ٥: ١١–١٥) فوصفته مبتدئه من الرأس حتى القدمين، لأنها بهرت بجلاله ومجده فتحدثت عن الرأس الذي يمثل شخصه ثم تدرجت لتمدح حتى قدميه. أما العريس ففي مدحه للعروس يبدأ بالقدمين أو خطواتها حتى يصف الرأس، وذلك لسببين: أولهما أنه يُريد أن يؤكد أن سرّ جمالها هو خطواتها أو سيرها في الطريق الملوكي، أي عودتها بالتوبة إلى العريس سرّ حياتها. أما السبب الثاني فإنه أراد أن يعطي للأعضاء التي تبدو بلا كرامة كرامة أفضل (١ كو ١٢: ٢٣-٣٤).
أما حديثه عن "النعلين" إنما يُشير إلى الكنيسة – كجماعة أو كأعضاء – وقد احتذت بإنجيل السلام (أف ٦: ١٥)، وكأن العريس قد ركز في بدء وصفها بخطواتها الإنجيلية... تسلك طريق العريس ذاته، تمارس حياتها الإنجيلية المملوءة سلامًا. هذا هو سرّ جمالها الروحي، أنها عرفت الطريق ودخلته! بهذا تحمل أيضًا الشهادة لعريسها كقول الرسول بولس: "ما أجمل أقدام المبشرين بالسلام، المبشرين بالخيرات" (رو ١٠: ١٥). وقول النبي إشعياء: "ما أجمل على الجبال قدمي المبشر المخبر بالسلام المبشر بالخير المخبر بالخلاص القائل لصهيون قد ملك إلهك" (إش ٥٢: ٧)، وقول ناحوم النبي: "هوذا على الجبال قدما مبشر مناد بالسلام، عيدي يا يهوذا أعيادك، أوفي نذورك، فإنه لا يعود يعبر فيك أيضًا الملك" (نا ١: ١٥).
إذ تحتذي النفس بكلمة الرب تصير حاملة لسرّ سلامها الداخلي، وسر سلام الآخرين فتكرز بكلمة الخلاص، وتعلن ملكوت الله المعلن على الصليب، وتسكب فرحًا في قلوب المؤمنين، بهذا يحصلون على روح الغلبة والنصرة على المهلك.
٢. "مفاصل فَخْذَيْكِ مِثْلُ الْحَلِيِّ (السلاسل)[2]، صَنْعَةِ يَدَيْ صَانعٍ" [١].

الفخذان يحملان الجسد ويعينانه على الحركة، لهذا فإن مفاصل الفخذين إنما تُشير إلى وحدة الكنيسة المقدسة في المسيح يسوع خلال المحبة. في هذا يقول الرسول: "نكون صادقين في المحبة، ننمو في كل شيء، إلى ذاك الذي هو الرأس المسيح، الذي منه كل الجسد مركبًا معًا ومقترنًا بمؤازرة كل مفصل حسب عمل على قياس كل جزء يحصل نمو الجسد لبنيانه في المحبة" (أف ٤: ١٦). خلال هذه الوحدة ينمو الجسد ويتشدد (كو ٢: ١٩) فتتحقق رسالة الكنيسة.
هذه الوحدة كالسلاسل تربط البشرية معًا مع اختلافها في اللغة والجنس والثقافات، كما تربط الأجيال معًا، فتحمل الكنيسة الروح الجامعية على المستوى المكاني (في كل العالم) والمستوى الزماني (عبر الأجيال)... وهي من صنع يدي صانع ماهر، ألا وهو الروح القدس واهب الشركة.
٣. "وسُرَّتُكِ كَأْسٌ مُدَوَّرَةٌ، لاَ يُعْوِزُهَا شَرَابٌ مَمْزُوجٌ" [٢].

تُرشم السرة بدهن الميرون في سرّ التثبيت، لأن الروح القدس يقدس الأعضاء الظاهرة كما يقدس الأحشاء الداخلية، ليكون الإنسان بكليته للرب.
حين تحدث الرب مع حزقيال عن بشاعة ما وصل إليه الإنسان والموت الذي حلّ به قال عنه: "أما ميلادك يوم ولدت فلم تقطع سرتك" (حز ١٦: ١٤). فالجنين إذ يخرج من أحشاء أمه يلزم أن تقطع سرته فيخرج إلى نور الحياة الجديدة ككائن حيّ مستقل عن أمه، لا يحتاج إلى الإغتذاء بدمها خلال الحبل السري بل يبدأ ممارسة إنسانيته ليخرج إلى النضوج الكامل. وبنفس الطريقة حين يدخل العروسان إلى الحياة الزوجية يلتزمان أن تقطع فيها حبلا سرتيهما من بيتي أبيهما، ليعيشا الحياة الزوجية الجديدة ويُمارس حبهما الناضج في وحدانية الروح. أقول، هكذا يرى السيد المسيح في كنيسته قد دخلت معه في الحياة الزوجية على مستوى سماوي، وقد قطعت سرتها فصارت كأسًا مدورة أي حملت الطبيعة السماوية (الدائرة التي بلا بداية أو نهاية)، لا يعوزها شراب ممزوج، إذ لم تعد في أحشاء العالم تطلب أفراحه الخارجية... لقد انطلقت كما من بيت أبيها الأرضي لتعيش مع بيت العرس الداخلي في شبع حقيقي وكفاية.
٤. "بَطْنُكِ صُرَةُ (كومة) حِنْطَةٍ مُسَيَّجَةٌ بِالسَّوْسَنِ" [٣].

تحوي الكنيسة في داخلها مخازن غذاء روحي (حنطة) مشبع للنفس يسكن في داخلها السيد المسيح، الخبز الحيّ النازل من السماء، الذي من يأكل منه يحيا إلى الأبد (يو ٦: ٥١). هكذا قد تبدو الكنيسة في خارجها فقيرة وجائعة لكن أحشاؤها مخازن خيرات تشبع النفوس الجائعة، وكما يقول الرسول بولس: "كفقراء ونحن نغني كثيرين، كأن لا شيء لنا ونحن نملك كل شيء" (٢ كو ٦: ١٠).
هذه الخيرات محاطة بسياج من السوسن الذكي الرائحة، وكأن ثمار الكنيسة مشبعة وجميلة تجتذب النفوس.
٥. "ثَدْيَاكِ كَخِشْفَتَيْنِ تَوْأَمَيْ ظَبْيَةٍ" [٣].

سبق أن وصفها بذلك في نش ٤: ٥ (يمكن الرجوع إليه).
٦. "عُنُقُكِ كَبُرْجٍ مِنْ عَاجٍ" [٤].

سبق فوصفها هكذا: "عُنُقُكِ كَبُرْجِ دَاوُدَ الْمَبْنِيِّ لِلأَسْلِحَةِ" (نش ٤: ٤)، بكونها راسخة وقوية تواجه كل حرب، أما الآن فيصف عنقها "كَبُرْجٍ مِنْ عَاجٍ" وقد سبق فرأينا أن العاج يُشير إلى قبول الألم حتى الموت... حيث يستخرج من الفيل خلال آلامه حتى الموت. فإن كان إيمان الكنيسة عاليًا كالبرج، مرتفعًا نحو السماء، فقد قبلت كل صفوف الألم حتى الموت... لتبقى أمينة في إيمانها، لا تنحرف وراء كل ريح تعلم غريب ولا تتلوث بالبدع والهرطقات لقد كلفها إيمانها الرسولي الأصيل الثمن الكثير!
إنه إيمان من العاج، ناصع البياض، لا يشوبه شيء، ونفيس!
يُشير هذا العنق أيضًا إلى طهارة الكنيسة ونقاوتها، فهي مرفوعة الرأس على الدوام، لا تقدر الخطية أن تنكسه في التراب أو تذله.
٧. "عَيْنَاكِ كَالْبِرَكِ فِي حَشْبُونَ عِنْدَ بَابِ بَثِّ رَبِّيمَ" [٤].

إن كان قبلاً قد وصف عينيها بعيني الحمامة، حيث تتجلى فيهما صورة الروح القدس الذي يُقدس سيرتها الداخلية بتطلعها المستمر إليه بغير انحراف، فإنه الآن يصفهما ببرك السمك fishponds في حشبون. هذا المنظر يكشف عن أتساع بصيرتها، فهي كالبرك المنفتحة على السماء لا يحجبها عنها شيء. هذا الانفتاح نحو السماء يولد فيها انفتاحًا نحو البشر أيضًا، لذا دعاها "برك السمك"، كل من ينظر إليها يجدها تحوي الأسماك داخلها... لا تهتم بما لنفسها بل بما هو للآخرين (الأسماك تُشير إلى جماعة المؤمنين)...
إنه لا يصفها بالينابيع لئلا تحمل فقاعات هواء (تُشير إلى الحياة الجوفاء)، ولا بالبحر إذ ليس فيها اضطرابات أو قلق، بل في بساطة الإيمان تعيش بنظرة روحية هادئة.
أما اختيار مدينة حشبون فلأسباب كثيرة منها:
أ. "حشبون" تعني "حساب"... فالنظرة المتسعة والبسيطة لا تعني أن يحيا الإنسان بغير حساب أو بدون تدقيق... إنما بحكمة يضع في اعتباره حساب النفقة.
ب. مدينة حشبون، تدعى حاليًا "حسبان"، وهي آثار مدينة قائمة على تل منعزل تبعد حوالي ١٦ ميلا شرق الأردن، وحوالي تسعة أميال شمال مادابا، وهي قائمة ما بين آرنون وجابوك. هذه المدينة أتخذها سيمون ملك الأموريين عاصمة لملكه وأعطاها موسى النبي للرأوبيين، وهي تقع على الحدود الفاصلة بين أملاك رأوبين وجاد (عد ٣٢: ٣٧، يش ١٣: ٢٦). هي إحدى مدن الملجأ الستة من الـ ٤٨ مدينة التي أعطيت للاويين (يش 21: ٣٧؛ ١ أي ٦: ٦٦). كأن عيني الكنيسة أو بصيرة المؤمن الروحية، كالبرك الهادئة في إحدى مدن الملجأ، يلجأ إليها الناس فينعمون بالمسيح يسوع الملجأ الحقيقي[3].
ج. كانت مدينة حشبون عند مفارق الطرق الرئيسية تمر عليها جموع كثيرة، وهنا إشارة إلى انفتاح قلب المؤمن على الكثيرين ليتمتعوا بالسيد المسيح "الملجأ الأبدي". لهذا يكمل العريس حديثه قائلاً: "عِنْدَ بَابِ بَثِّ رَبِّيمَ". البث هو وحدة قياس عند اليهود تستخدم للسوائل، أما "ربيم" فتعني "ابنة الجموع"... وكأن المؤمن يصير ابنًا لجموع كثيرة. أو كأن الإنسان وقد تمتع ببصيرة روحية يدعو الجموع لتشاركه هذه البصيرة.
٨. "أَنْفُكِ كَبُرْجِ لُبْنَانَ النَّاظِرِ تُجَاهَ دِمَشْقَ" [٤].

هذا التعبير يُشير إلى شهامة الكنيسة وشجاعتها المقدسة في الحق، وعدم خوفها من الباطل، فإن كانت وديعة متواضعة لكنها في نفس الوقت قوية وجبارة.
والأنف أيضًا يُشير إلى حاسة الشم للتمييز بين رائحة المسيح الذكية وأطاييب العالم الزائلة. فالمؤمن الحقيقي له أنف كالبرج يدرك خلاله من هو عدو ومن هو صديق، يميز ما هو للبنيان وما هو للهدم. أما اتجاهه نحو دمشق البلد التجاري المهتم بالزمنيات فيُشير إلى جسارة الكنيسة واقتدارها على مواجهة كل تيار.
إن كان المؤمن يلتزم أن يكون له مثل هذا الأنف، فبالأكثر الراعي يليق به ألاَّ يكون "أفطسًا" (لا ٢١: ٧–٢١). وكما يقول البابا غريغوريوس (الكبير) [4]: [الأفطس هو الذي يعجز عن التمييز، فنحن نميز بحاسة الشم الروائح الذكية من العفنة. إن هذه الحاسة تُشير حقًا لحاسة التمييز التي نختار بها الفضيلة ونرفض الرذيلة. لذلك قيل في مدح الكنيسة العروس: "أَنْفُكِ كَبُرْجِ لُبْنَانَ". فالكنيسة المقدسة تدرك تمامًا بالتمييز التجارب التي تثار عليها بأسباب متنوعة، وتعرف مقدمًا – من فوق برجها – معارك الشر المزمعة أن تحدث].
٩. "رَأْسُكِ عَلَيْكِ مِثْلُ الْكَرْمَلِ،

وَشَعْرُ رَأْسِكِ كالقرمز،
الملك قَدْ حجز في الشرفات"[5] [٥].
رأس الكنيسة مرتفع كالكرمل، الجبل الذي يرتفع إلى أقل من ٢٠٠٠ قدم، ليس في تشامخ بشري واعتداد مملوء عجرفة، بل في قوة النصرة على محبة العالم وكل عواصفه.
والكرمل يعني "أرض الحديقة" أمتاز بالخضرة الكثيفة والثمار الكثيرة والغابات[6]، هكذا لا يظهر رأس الكنيسة فارغًا بل مثمرًا، لا تلهو فيها أية أفكار باطلة، إنما تحمل أعمالاً مجيدة وتقدم ثمارًا تشبع الكثيرين.
جبل الكرمل – كان في الحدود الجنوبية لأشير (يش ١٩: ٢٦) – يحمل إلينا ذكريات مجيدة وفعالة. فهناك وقف إيليا النبي أمام كهنة البعل وكل الشعب يطلب ألاَّ يعرجوا بين الفريقين: فليعبدوا الله أو البعل!... وهناك قُتل كهنة البعل (١ مل ١٨: ١٧–٤٠)، هكذا إذ ترتفع الكنيسة نحو السمويات لا تعرف التعريج بين محبة الله ومحبة العالم، إنما تقتل في داخلها كل انحراف نحو الحق، وتقود الكل بالحق.
على رأس الكرمل سجد إليليا النبي وخر على الأرض طالبًا من الله أن يعطي مطرًا للأرض (١ مل ١٨: ٤٢–٤٦)، وفي الكنيسة يتعبد المؤمنون بانسحاق أمام الله لكي يمطر على القلوب الجافة بمياه نعمته حتى تلين بالتوبة وتأتي بالثمر المطلوب...
وزار تلميذه أليشع النبي جبل الكرمل (٢ مل ٢: ٢٥)، حيث التقت به الأرملة لكي يُقيم لها وحيدها من الموت (٢ مل ٤: ٢٥)...
هذه بعض ذكرياتنا على جبل الكرمل الذي شُبهت به رأس الكنيسة المرتفع على أعدائه (مز ٢٧: ٦). أما الشعر فقد رأيناه قبلاً يُشير إلى جماعة المؤمنين. أنه كالقرمز، وهو لباس الملوك كما يحمل رمز دم السيد المسيح باتحادنا مع العريس الملك، صارت كل الأعضاء تحمل سمة الملوكية خلال تقديسها بالدم الكريم.
أمام هذا المنظر الجميل التقوى يقول العريس: "الملك قَدْ حجز في الشرفات" وكأنه لا يريد أن يتركها. هذا ما أكده المرتل بقوله: "الرب قد أختار صهيون، اشتهاها مسكنًا له: هذه هي راحتي إلى الأبد. ههنا أسكن" (مز ١٣٢: ١٣-١٤).
١٠. "مَا أَجْمَلَكِ وَمَا أَحْلاَكِ يا حبيبي!

هذه هي عظمتك في لَّذَّاتِك: قَامَتُكِ هَذِهِ شَبِيهَةٌ بِالنَّخْلَةِ وَثَدْيَاكِ بِالْعَنَاقِيدِ.
قُلْتُ إِنِّي أَصْعَدُ إِلَى النَّخْلَةِ وَأُمْسِكُ بسعفها العال.
وَتَكُونُ ثَدْيَاكِ كَعَنَاقِيدِ الْكَرْمِ،
وَرَائِحَةُ أَنْفِكِ كَالتُّفَّاحِ.
وَحَنَكُكِ كَأَجْوَدِ الْخَمْرِ،
تسوغ بلذة لِحَبِيبِي وتسيل عَلَى شفتي وأسناني" [٦–٩].
في ختام وصفه لها يُناجيها: ما أجملك؟! ما أحلاك؟!، حسب النص الأصلي: "كم صرتِ جميلة؟!" فقد انسكب جمال العريس عليها، بسكناه في داخلها صارت لها عذوبة خاصة! امتزج بثمرها الذي يطلبه الرب ويجده فيها. لقد تطلع إلى قامتها فوجدها شبيهة بالنخلة وثدييها بالعناقيد.
هوذا قد ظهرت قامة الكنيسة، إنها كالنخلة تمتاز بطولها واستقامتها... لقد ارتفعت لتبلغ ملء قامة المسيح (أف ٤: ١٣). وكما يقول المرتل: "الصديق كالنخلة يزهو، كالأرز في لبنان ينمو" (مز ٩٢: ١٢). لهذا رمز للسبعين رسولاً بسبعين نخلة (خر ١٥: ٢٧، عد ٣٣: ٩)، كما زين بيت الله بالنخيل (١ مل ٦: ٢٩، أي ٣: ٥، خر ٤٠: ٢٢، ٤١: ١٨)، وفي الأبدية يحمل المؤمنون سعف النخيل علامة النصرة (رؤ ٧). النخلة بجذورها الخفية العميقة تلتقي بينابيع المياه الحية، وهي تقدم ثمرها ظاهرًا ونافعًا لكثيرين خاصة في المناطق المقفرة... ويستخدم سعفها في استقبال الملوك يلوحون بها علامة الغلبة والنصرة. وكأن العريس السماوي يرى في كنيسته – خلال تشبيهها بالنخلة- الاتحاد الخفي العميق معه، والثمار المقدمة للعالم الجائع، والحياة الملوكية المنتصرة الغالبة!
يفرح العريس بعروسه المثمرة، فيصعد إلى النخلة ليجني ثمارها. إنه لم يرسل أحد الخدم ليجني له الثمر، بل يصعد بنفسه ويقطف الثمار بيديه، هنا يعلن للنفس البشرية كرامتها وعظمتها، فإن كان من أجلها قد نزل إلى العالم ليتحد بها، فالآن هو يصعد عليها... لقد ارتفعت بعد أن كانت ساقطة، وبارتفاعها مع عريسها إلى سمواته تشاركه أمجاده، يرى نفسه صاعدًا على نخلته يقطف ثمارها التي هي في الحقيقة من صنع روحه القدوس!
إنه يمسك بسعفها العالي... وكأنه يرى في نصرتها نصرة له، وفي علوها تمجيد لعمله الخلاصي. نحن نمسك بالسعف لأننا بالرب نغلب وننتصر. وهو يمسك بنصرتنا لأنها لحسابه ولمجد أسمه القدوس. أنه يفرح ويبتهج بكل نصرة نبلُغها!.
أما أنواع الثمر فهي:
أ. يرى ثدييها كعناقيد الكرم... وقد رأينا أن ثدييّ الكنيسة هما العهدان القديم والجديد، فإنهما يبعثان روح الفرح في حياة المؤمنين.
ب. يرى أنفها كالتفاح... وقد رأينا أن التفاح رمزًا للتجسد الإلهي، وكأنها تشتم على الدوام رائحة الإله المتجسد.
ج. حلقها كالخمر الجيد، يُشير بكلمات الفرح المستمر، المستساغة اللذيذة الطعم التي تجعل العريس نفسه أيضًا يفرح لفرحها، فتظهر علامات الفرح على شفتيه وأسنانه.
إذ سمعت العروس وصف العريس ومديحه لها أجابته: إن كل ما قد وصفتني به إنما هو منك ولك يا حبيبي.
"أَنَا لِحَبِيبِي (لقريبي)، وَإِلَيَّ اشْتِيَاقُهُ" [١٠].
في الأصحاح الثاني إذ تطلعت العروس إلى المصلوب أدركت حبه الذي خلاله قدم الرب نفسه لها كعريس فقدمت هي حياتها ملكًا له... قائلة: "حَبِيبِي (قريبي) لِيّ وَأَنَا لَهُ، الرَّاعِي بَيْنَ السَّوْسَنِ" (٢: ١٦).
وفي الأصحاح الخامس تطلب إليه أن يدخل جنته أي قلبها ليقبل حبها له، ويتسلم حياتها بكل طاقاتها الداخلية كاستجابة حب لعمله معها، قائلة: "أَنَا لِحَبِيبِي وَحَبِيبِي لِيّ الرَّاعِي بَيْنَ السَّوْسَنِ" (٦: ٣). أما هنا فقد ارتفعت إلى الأبدية لا لتقدم حياتها له استجابة لحبه وإنما لتكشف على مستوى العلانية واللانهائية مدى شوقه إليها: "أَنَا لِحَبِيبِي وَإِلَيَّ اشْتِيَاقُهُ". كأنها تقول له... لقد عرفت سرّ مديحك ليّ، إنك تطلبني أكون معك ولك، أكون موضع شوقك إلى الأبد!
في هذه المرة لا تقول: "حبيبي ليّ" فقد دُهشت أمام بهجته بها واشتياقه نحوها... أنه "يشتهي صهيون مسكنًا له" (مز ١٣٢: ١٣)...
أمام هذا الحب الذي اكتشفته في عريسها نحوها صارت تُناديه:
"تَعَالَ يَا حَبِيبِي (قريبي) لِنَخْرُجْ إِلَى الْحَقْلِ،

وَلْنَبِتْ فِي الْقُرَى.
لِنُبَكِّرَنَّ إِلَى الْكُرُومِ،
لِنَنْظُرَ هَلْ أَزْهَرَ الْكَرْمُ؟!
هَلْ تَفَتَّحَ الْقُعَالُ؟!
هَلْ نَوَّرَ الرُّمَّانُ؟!
هُنَاكَ أُعْطِيكَ حُبِّي (ثدييّ)" [١١-١٢].
إذ أدركت العروس محبته لها أخذت تطلبه ليخرجا معًا وحدهما إلى الحقل ويبيتا في القرى بعيدًا عن ضوضاء المدينة، ويقطفا من الثمار...
الحقل :

أي حقل هو هذا الذي دعت إليه حبيبها ليخرج معها إليه؟ لعله حقل العمل الإلهي المتسع على مستوى البشرية كلها، هذا الذي قال عنه الرب نفسه: "ارفعوا أعينكم وانظروا الحقول أنها قد ابيضت للحصاد" (يو ٤: ٣٥)... إن كان ربنا نفسه يدعونا للعمل، لكننا لن نخرج بدونه، بل معه وبه لأنه هو صاحب الكرم وهو الذي يهبه النمو. في هذا يقول الرسول بولس: "أنا غرست وأبلوس سقى لكن الله كان ينمي. إذًا ليس الغارس شيئًا ولا الساقي، بل الله هو الذي ينمي... فإننا نحن عاملان مع الله وأنتم فلاحة الله، بناء الله" (١ كو 3: ٦-٩).
لقد خرج قايين إلى الحقل لكن في غير معية الرب، خرج وحده، وهناك لم يحتمل البار هابيل بل قتله، وحين عاتبه الرب في جسارة الشر أجاب: "أحارس أنا لأخي؟!" (تك ٤: ٩)، ولعن الأرض معه وبسببه: "الآن ملعون أنت من الأرض التي فتحت فاها لتقبل دم أخيك من يدك. متى عملت الأرض لا تعود تعطيك قوتها. تائهًا وهاربًا تكون على الأرض". أما العروس فترفض أن تخرج إلى الحقل إلاَّ مع عريسها وبه، فيتسع قلبها بالحب لأخيها، وتشعر بالمسئولية نحوه، فتتبارك الأرض بسببها.
ولعل الحقل يذكرنا باللقاء المملوء حبًا بين إسحق وعروسه رفقة، فقد خرج ليتأمل في الحقل عند إقبال المساء ورأى امرأته مقبلة على جمل... أما هي إذ رأته نزلت عن الجمل والتقت به... هنا العروس تشتاق أن تخرج معه إلى حقل التأملات، هناك يكشف لها عريسها السماوي أسراره الإلهية، وتدرك أمجاده التي لا يُنطق بها، يقبلها عروسه إلى الأبد وتعيش هي في أحضانه الأبدية.
ولعل العروس تقصد بالحقل "حياة الجهاد المستمر"، إذ يقول سفر الأمثال: "من يشتغل بحقله يشبع خبزًا" (أم ١٢: ١١)... فلا قدرة للنفس على الجهاد لتشبع ما لم يعمل الرب معها وفيها.
الخروج :

تقول العروس "لنخرج..."
في حديث السيد لعروسه ومدحه إياها اكتشفت حقيقة لم تكن قبلاً تدركها في كمالها... وهي أن الله ليس بالفكرة الصلدة المنعزلة في السماء، كما قال عنه أرسطو حرك العالم وتوقف ليسيطر عليه، لا بل الله دائم الحركة في تعامله مع الإنسان. الله حب غير منعزل، خرج إلينا تاركًا أمجاده إلى حين حتى لا نهابه ونرهبه بل نحبه ونقبله... خرج إلينا وحلّ بيننا. من أجلنا صار عبدًا! خرج أيضًا خارج المحلة يحمل عارنا على كتفيه! وهنا نراه يخرج إلينا فلا يكشف ذاته لنا لنحبه وإنما يعلن فينا جمالاً هو في حقيقته انعكاس جماله علينا وثمرة محبته التي تُحاصرنا. والآن تستنجد النفس به قائلة "لنخرج..."، وكأنها قد أدركت أنها بدونه تبقى حبيسة "ذاتها"، تعيش أسيرة قوقعتها لا تطلب إلاَّ ما لذاتها. إنه توسُل بل صرخة حب فيه تترجى النفس عريسها أن يطلقها من ذاتها لتعيش معه في حقل الحب، تطلب ما لغيرها.
هذه صورة حية للحياة الزوجية الحقة، فلا يطلب كل طرف أن يأسر الآخر في داخله، يستهلكه لحساب نفسه... إنما وهو يفتح القلب ليدخل بالآخر إليه ينطلق كلاهما معًا في حب وحدوي فيه يقدر الآخر ككائن حيّ مستقل. بمعنى آخر، كثيرًا ما نرى أحد الزوجين في حبه للآخر يطلب ما لذاته، ويرى في الطرف الآخر ليس شخصًا يعيش معه على مستوى المشاركة بل "شيئًا" يفرح به ويكتم أنفاسه ويستغله لاشباع احتياجاته النفسية والاجتماعية والبيولوچية. في حبه للطرف الآخر يخنق إرادة الآخر وحريته وإنسانيته... ظانًا أنه بهذا إنما يحبه!.
هكذا حين تفتح العروس قلبها للعريس ليدخل إليها لا تطلبه "لتستهلكه" إن صح هذا التعبير، أو كما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم "لتستغله"، تُريد في عريسها أن تشكله حسبما تُريد، يستجيب لكل طلباتها ويشبع كل احتياجاتها ويحل كل مشاكلها ويبارك كل تصرفاتها فحسب... لكن يليق أن تخرج عن ذاتها، تخرج معه وبه فتطلب منه ذاته أولاً وتخضع لارادته، وإن سألته شيئًا وطلبت حلاً لمشاكلها أو بركة لعملها إنما كثمرة للقائهما معًا، لا كغاية هذا اللقاء. بمعنى آخر: الله أولاً في حياتها... تحبه لأجل ذاته لا على مستوى المنفعة!
لنبت في القرى :

ما هي هذه القرى التي تود أن تبت فيها مع عريسها؟!
1. لعلها تقصد بالقرى حياتها الداخلية بجوانبها المتعددة، وكأنها تقول له هيا بنا من مظاهر المدينة الخارجية ولتدخل إلى قلبي وفكري وعواطفي وكل طاقاتي الداخلية، ولتبت معي هناك، لنكشف سويًا ثمار روحك القدوس المتنوعة في داخلي، نجد الكرم قد أزهر والرمان قد نور وثدييّ يُقدمان لبن الحب الخالص.
2. لعله هنا أيضًا دعوة لخدمة القرى، فإن الكثيرين يهتمون بخدمة المدينة الغنية، لكن العروس – الكنيسة – ملتزمة بالكرازة والرعاية داخل القرى حيث البسطاء والفقراء أيضًا.
3. هنا الدعوة للمبيت معه في قرى "متعددة"، أي ترافقه من قرية إلى قرية، ولا يستريح قلبها في المدينة أو في قرية ما، بل تدخل مع عريسها في حياة الاتحاد خلال خدمتها في كل موضع... هكذا لا يجد المؤمن كمال راحته حتى تطمئن أعماقه الداخلية على كل البشرية. في الأصحاح الأول (١: ٦) كانت النفس تُعاتب بنات أورشليم أنهن أقمن إياها حارسة للكروم، أما الآن فهي التي تطلب التبكير إلى الكروم المتعددة... لقد خرجت من كل أنانية وكل انغلاق لتبكر إلى كروم الآخرين تعمل فيها مع الرب الكرام الأصيل. والعجيب أنه ليس فقط اتسع قلبها لخدمة الآخرين، لكنها تتعجل الخدمة: "لتبكرن...". لقد أدركت أن الوقت مقصر والأيام شريرة (أف ٥: ١٦).
أخيرًا تقول العروس "هُنَاكَ أُعْطِيكَ حُبِّي (ثدييّ)"... هناك في مجال الخدمة، في حقل الرب، في القرى، في الكروم حين تُقدم للبشرية اتحادها مع المسيح عريسها إنما تُقدم للرب حبها، أو تقدم ثدييها (العهدين)، تقدم كلمة الله بكونه الغذاء المشبع للنفوس.
أخيرًا تقول له:
"اَللُّفَّاحُ يَفُوحُ رَائِحَته،

وَعِنْدَ أَبْوَابِنَا كُلُّ النَّفَائِسِ (الثمار) مِنْ جَدِيدَةٍ وَقَدِيمَةٍ،
ذَخَرْتُهَا لَكَ يَا حَبِيبِي" [١٣].
اَللُّفَّاح من أجمل الزهور التي تُشير إلى الوحدة الزوجية بين الرجل وامرأته، لهذا حدثت بسببه مشاحنة بين راحيل وليئة (تك ٣٠: ١٤)... ولكن العروس تختم حديثها بقولها لقد فاحت رائحة الحب الوحدوي أو الزوجي بين العريس السماوي وعروسه، وحان وقت كمال هذه الوحدة.
هذه الوحدة التي ظهرت رائحتها تحمل ثمارًا نفيسة جاءت جديدة في كل يوم وقديمة أي أصيلة وعميقة... هي ثمار كلمة الله العاملة في نفوس المؤمنين. هذه الثمار النفيسة ظهرت عند أبواب المؤمنين هم أعضاء في العروس المقدسة.
هذا ما تقدمه العروس الأم للمسيح العريس الأبدي... تقدم ثمار أعضائها بالروح القدس!



الأصحاح الثامن

العروس العاملة

يقول القديس أمبروسيوس أنه لما تأكدت الألفة بين العروس ومحبوبها أخذت تفاوضه في أمر أهلها، وأوصته بأختها الصغيرة[1]، التي تمثل البشرية غير المؤمنة. وفي نفس الوقت التهب حنين العروس لحياة الوحدة أو الاتحاد الأعمق مع عريسها، وكأن ختام المناجاة أو نشيد الأناشيد هو دخول المؤمن إلى خدمة الآخرين مع التهاب القلب بالانطلاق نحو الفردوس. إنهما إشتياقان وقد ظهرا متعارضان لكنهما في الحقيقة متكاملان ومتلازمان. يحيا المؤمن بقلب محترق من أجل كل نفس لم تتعرف على خلاصها، وفي نفس الوقت لا ينحرف قلبها عن شوقه للانطلاق ليكون مع المسيح وجها لوجه.
في بدء النشيد بدأت العروس بالإلحاح في الدخول إلى حياة الشركة معه، تود أن تختلي به أكثر فأكثر في البرية، وأخرى في الحديقة، وثالثة في الحقل والقرى، ورابعة في بيت أمها لتسقيه من خمر حبها كما أرواها هو بحبه الأبدي، لهذا تُناجيه قائلة:
"لَيْتَكَ كَأَخٍ لِيّ الرَّاضِعِ ثَدْيَيْ أُمِّي،
فَأَجِدَكَ فِي الْخَارِجِ، وَأُقَبِّلَكَ، وَلاَ يُخْزُونَنِي.
وَأَقُودُكَ وَأَدْخُلُ بِكَ بَيْتَ أُمِّي، وحجرة من حبلت بيّ[2]،
وَأنتَ[3] تُعَلِّمُنِي[4]،
فَأَسْقِيكَ مِنَ الْخَمْرِ الْمَمْزُوجَةِ مِنْ سُلاَفِ رُمَّانِي" [١-٢].
إن كان هذا الأصحاح في جوهره حديث عن الخدمة، فإن أساس الخدمة وأساسها تمتع الخادم أولاً بعريس الكنيسة، حتى متى ألتقي بأخوته يشتمّون فيه رائحة "الحياة" ويتقبلون العضوية في الكنيسة جسد المسيح الحيّ.
في هذا الحديث أيضًا نلاحظ الآتي:
1. أنها تود أن تقبّله كأخ لها، الراضع ثدييّ أمها... فإنه بحسب التقاليد الشرقية القديمة ما كان يليق ممارسة القبلات علانية حتى بين الرجل وزوجته، ولا يستثنى من هذا إلاَّ الأقرباء من الدرجات الأولى كالوالدين والأخوة. لهذا تُريده كأخ لها الراضع ثدييّ أمها، فتأخذه بين ذراعيها، وتظهر معه علانية، وتقبله في حضرة البشرية كلها ولا يلومها أحد.
2. لعل سرّ دعوتها له برجاء "ليتك كأخ ليّ..." إنما تعلن عن شهوة كنيسة العهد القديم التي كانت تنظر إلى الله كمن هو في الخارج، إذ تقول "أجدك في الخارج"، تطلب إليه أن ينزل إلى جنس البشر ولا يبقى منعزلاً، بل يصير أخًا بكرًا باشتراكه معنا في طبيعتنا وحلوله في وسطنا، فنستطيع أن نتعرف عليه، ونقبله بقبلات العبادة العلنية، وندخل به إلى حياتنا الداخلية.
3. وهو أيضًا حديث كنيسة العهد الجديد التي أدركت في نضوح حبها أن السيد المسيح الأخ البكر – وهو ربها وسيدها وعريسها – يُقبله المؤمنون بقبلات العبادة الحية، ويدخلون به إلى بيت أمهم – أورشليم السماوية – ليعيشوا معه وجهًا لوجه في أحضانه الأبدية.
4. أما قولها "أنت تعلمني"... فهو كشف بطبيعة المسيحي الحقيقي والخادم الأمين، فإن كانت النفس تلتقي بعريسها وتقبله وتعيش معه في بيت أمها – الكنيسة أو أورشليم السماوية – وهناك تسقيه من خمر بهجتها الممزوجة من عصير رمانها، لكنها تبقى في أتضاع تُريد أن تتعلم... إنها في حاجة إليه ليعلمها أسراره السماوية، حتى في الأبدية حين تبقى في أحضانه تراه على الدوام جديدًا في عينيها... وكأنها من لحظة إلى أخرى – إن صح هذا التعبير إذ لا يوجد في الأبدية لحظات أو زمن – تتعلم شيئًا جديدًا عن أسراره الإلهية.
الخادم الحقيقي يبقى على الدوام في الكنيسة – بيت أمه – عند قدمي المخلص يطلب أن يتعلم، حتى إن دُعي "معلمًا" أو "أبًا" لكثيرين! في هذا يقول القديس أمبروسيوس[5]: [إننيّ أرغب الجهاد في التعلم حتى أكون قادرًا على التعليم. لأنه يوجد سيد واحد (الله) الذي وحده لا يتعلم ما يعلمه للجميع. أما البشر فعليهم أن يتعلموا قبل أن يعلموا ويتقبلوا من الله معلمهم ما يعلمون به الآخرين]. كما يقول القديس ايرونيموس: [إن الفكر الذي يتوق إلى التعلم يستحق المديح ولو لم يوجد له معلم[6]].
5. التعلم في الكنيسة – بيت الأم – ليس مجرد معرفة عقلية أو حفظ تعاليم عن ظهر قلب، لكنه في جوهره دخول إلى ممارسة "الحياة مع المسيح" لذلك تقول العروس: "فَأَسْقِيكَ مِنَ الْخَمْرِ الْمَمْزُوجَةِ مِنْ عصير رُمَّانِي"... هذا هو ما أتعلمه أن أرد حبك بالحب.
6. حين يدخل الإنسان الكنيسة في صحبة الرب، وهنا يجلس عند قدمي المخلص يتعلم، يُقدم الإنسان خمرًا ممزوجة بعصير الرمان... ماذا يعني هذا؟ رأينا الخمر كرمز الحياة الفرح والبهجة... فالكنيسة هي البيت المفرح الذي يستقبل الخطاة التائبين فيعطيهم الرب فرحًا داخليًا وبهجة لا تقدر الأحداث الزمنية أن تنزعها. أما الرمان فيُشير إلى حياة الجهاد، فشجر الرمان مملوء أشواكًا، وغلافه مرّ، وفي داخله بذور كثيرة، لكن عصيره يحمل نكهة جميلة وطعمًا لذيذًا. فالفرح في المسيحية يمتزج بالأتعاب والجهاد الروحي حتى النهاية.
أخيرًا تؤكد العروس اتحادها بعريسها وتعلقها به فتردد ما سبق أن قالته قبلاً:
"شِمَالُهُ تَحْتَ رَأْسِي، وَيَمِينُهُ تُعَانِقُنِي.
أُحَلِّفُكُنَّ يَا بَنَاتِ أُورُشَلِيمَ بأيائل (قوى) الحقل،
أَلاَّ تُيَقِّظْنَ وَلاَ تُنَبِّهْنَ الْحَبِيبَ حَتَّى يَشَاءَ" [٣-٤].
إنها ذات الكلمات التي نطقت بها حين أعلنت أنها "مجروحة حبًا"، وقد سبق لنا شرحها[7].
لعلها أرادت هنا أن تؤكد أنها وإن قدمت كل حياتها للخدمة، لكنها في هذا لا توقف شركتها معه وانشغالها به... بل تؤكد أنها لن تسمح بشيء أو أحد أن يعوق اتحادها به، فالخدمة الحية لا تُلهي الخادم عن مسيحه بل بالحق تدخل به إلى أعماق أكثر في الحياة معه.
شهادة العالم له :

إذ يتطلع العالم إلى الكنيسة التي هي جسد المسيح والشاهدة له أمامه، يقول لها:
"مَنْ هَذِهِ الطَّالِعَةُ مِنَ الْبَرِّيَّةِ، كلها بيضاء[8]، مُسْتَنِدَةً عَلَى حَبِيبِهَا (قريبها)؟!" [٥].
سبق أن نطقت بنات أورشليم بكلمات مشابهة (٣: ٦) حين رأين التغير العجيب في حياة المؤمنين، وقد أعطتهن المعمودية بياضًا سماويًا وتمتعن باتكال حق على الحبيب القادر أن يرتفع بهم من برية هذا العالم ويدخل بهم إلى سمواته، والآن يدهش العالم خلال شهادة العروس العاملة أمامهم... أنها لا تدهش لمجرد كثرة العمل بل بالحري للثمر الذي في حياتها، فإن ظهور الخادم بثياب المعمودية البيضاء هو خير شهادة للعريس...
يعلق القديس أغسطينوس على هذا النص قائلاً[9]: [إنها لم تكن من البداية بيضاء، إنما صارت بيضاء فيما بعد، لأنه "إن كانت خطاياكم كالقرمز تبيض كالثلج" (إش ١: 18)]. كما يقول[10]: [من هذه الطالعة بيضاء في بهاء النور وليس بلون باطل؟!]. ويقول القديس أمبروسيوس[11]: [لقد كانت قبلاً سوداء، فكيف صارت بيضاء فجأة (خلال المعمودية)؟!].
ويعلل القديس أغسطينوس سرّ استمرار بياضها هكذا[12]: [الآن هذه التي صارت بيضاء تسلك حسنًا، لأنها مستمرة في الاتكاء على ذاك الذي جعلها بيضاء. فإن يسوع نفسه هذا الذي تستند عليه فيجعلها بيضاء يقول لتلاميذه: "بدونيّ لا تقدرون أن تفعلوا شيئًا" (يو ١٥: ٥)].
ولعل هذه الدهشة لم تصب العالم فحسب، بل اجتاحت السمائيين أنفسهم إذ يرون ما يصل إليه الإنسان البشري خلال اتحاده بالسيد المسيح في جرن المعمودية، أي يرونه في ميلاده الجديد يحمل إمكانية الصعود نحو السمويات بثياب بيض. وكما وصف القديس كيرلس الأورشليمي الإنسان في المعمودية قائلاً[13]: [ترقص الملائكة حولك وهم يقولون من هذه الطالعة بيضاء في ملابسها مستندة على قريبها؟! لأن النفس التي كانت قبلاً عبدة تبناها سيدها وجعلها قريبة له]. كما يردد السمائيون القول التالي:
"تَحْتَ شَجَرَةِ التُّفَّاحِ شَوَّقْتُكَ (رفعتك)[14]،
هُنَاكَ ولدتك أُمُّكَ،
هُنَاكَ وضعتك وَالِدَتُكَ" [٥].
هذا هو سرّ صعودها من البرية كلها بيضاء مستندة على حبيبها، أنها قد وضعتها أمها وأنجبتها والدتها تحت شجرة التفاح.
لقد رأينا قبلاً أن "شجرة التفاح" تُشير إلى التجسد الإلهي، إذ ظهر الرب "كشجرة التفاح بين شجر الوعر" (٢: ٣). فخلال التجسد الإلهي أمكن للكنيسة الأم أن تنجب أولادًا لله في المعمودية، قادرين على الارتفاع نحو السمويات بالإله المتجسد... هذه هي الولادة الجديدة، وهذه هي فاعليتها في حياة المؤمنين.
هنا ربط بين التجسد الإلهي وولادتنا الروحية، فالسيد وُلد جسديًا لكي نولد نحن روحيًا. وهذا هو سرّ الاحتفال بعيدي الميلاد والعماد (الغطاس) في يوم واحد في الكنيسة الأولى...، إذ يرتبط العيدان معًا في ذهن الكنيسة.
عدم الانشغال بالخدمة على حساب العريس :

تؤكد العروس العاملة التصاقها بعريسها وسط انشغالها بخدمة القريب قائلة:
"اِجْعَلْنِي كَخَاتِمٍ (ختم) عَلَى قَلْبِكَ،
كَخَاتِمٍ عَلَى سَاعِدِكَ،
لأَنَّ الْمَحَبَّةَ قَوِيَّةٌ كَالْمَوْتِ،
الْغَيْرَةُ قَاسِيَةٌ كَالجحيم (كالقبرِ)[15].
لَهِيبُهَا لَهِيبُ نَارِ، لَظَى الرَّبِّ.
مِيَاهٌ كَثِيرَةٌ لاَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُطْفِئَ الْمَحَبَّةَ،
وَالأنهار لاَ تَغْمُرُهَا.
إِنْ أَعْطَى الإِنْسَانُ كُلَّ ثَرْوَةِ بَيْتِهِ بَدَلَ الْمَحَبَّةِ تُحْتَقَرُ احْتِقَاراً" [٦-٧].
إن كانت النفس قد تمتعت خلال المعمودية بالميلاد الجديد تحت شجرة التفاح، وفي سرّ الميرون ختمت بختم الروح القدس، فصارت في ملكية العريس، تحمل ختمه وسماته، فإنها تعتز بهذا الختم الذي صار لها في كل جوانب حياتها. هذه الحياة تشعل لهيب حبها نحوه فتسأله لا أن يقبلها بين ذراعيه أو يأخذها في أحضانه الأبدية، بل تشتهي أن تلتصق به كالختم على قلبه وساعديه، لا يفصلها حتى الموت عنه!.
إنها تطلب أن تكون ختمًا على قلب العريس، فهي لا تطلب أن يكون لها مجرد موضع في قلبه بل تحتل القلب كله، وكأن الله لا ينشغل إلاَّ بها. تُريد لا أن يكون أسمها منقوشًا على قلبه، بل هي بكل حياتها مختومة عليه، فلا يقدر أحد أن يقترب أو يمحو أسمها من أمام وجه الله.
في سفر إشعياء النبي يقول الرب: "هوذا على كفي نقشتك" (٤٩: ١٦)، أما هنا فالعروس تطلب أن تكون خاتمًا على ساعده...
بهذا تستقر العروس في قلب الله "مركز العاطفة والحب" وفي ساعده "مركز العمل"، تستريح إلى الأبد على عرش محبته وعلى كرسي قدرته! هذه هي دالة الكنيسة لدى عريسها!.
أما سرّ هذه الدالة القوية فهو الحب الذي سكبه الرب في قلبنا من نحوه لهذا تقول: "المحبة قوية كالموت، الغيرة قاسية كالقبر..." وكأنها تقول له: إن الموت هين، لا يقدر أن يفصلني عن حبي لك، والمياه الكثيرة وجميع الأنهار لا تقدر أن تطفئه أو تغمره. وكما يقول الرسول بولس: "من سيفصلنا عن محبة المسيح: أشدة أم ضيق أم اضطهاد أم جوع أم عري أم خطر أم سيف... فإنيّ متيقن أنا لا موت ولا حياة ولا ملائكة ولا رؤساء ولا قوات ولا أمور حاضرة ولا مستقبلة، ولا علو ولا عمق ولا خليقة أخرى تقدر أن تفصلنا عن محبة الله التي في المسيح يسوع ربنا" (رو ٨: ٣٨، ٣٩).
يقول القديس أغسطينوس[16]:
[لا تستطيع زوابع العالم أو أمواج التجارب أن تطفئ لهيب الحب. عن هذا قيل: "المحبة قوية كالموت". فكما أن الموت متى حل لا يوجد من يقدر على مقاومته، إذ لا يقدر المولودون للموت أن يصدوا عنف الموت بأي فن من الفنون أو نوع من الأدوية، هكذا لا يقدر العالم أن يقف ضد قوة الحب.
لقد أخذ التشبيه بمثال الموت المضاد، فكما أن الموت عنيف هكذا في التدمير، كذلك الحب قوي في الإنقاذ (الخلاص).
خلال الحب مات كثيرون عن العالم ليحيوا لله].
في سط العالم قدمت العروس لعريسها ما لا يقدر العالم أن يُقاومه، قدمت قلبها لذاك الذي يجد في القلب لذته، فهي لم تقف عند حدود تقديم الخدمة والجهاد والأسهار، بل قدمت أولاً قلبها أي "حبها" كله، والذي تقول عنه: "إِنْ أَعْطَى الإِنْسَانُ كُلَّ ثَرْوَةِ بَيْتِهِ بَدَلَ الْمَحَبَّةِ تُحْتَقَرُ احْتِقَاراً". وكأنها تردد ما قاله الرسول بولس: "إن أطعمت كل أموالي وإن سلمت جسدي حتى أحترق ولكن ليس ليّ محبة فلا أنتفع شيئًا" (١ كو ١٣: ٣).
إنها ليست كالزوجة التي تظن أنها تخدم زوجها حسنًا، فتبذل كل جهدها لخدمة البيت وتسلمه جسدها... لكن قلبها ليس معه! إنها تُقدم القلب أولاً، ومن خلاله لا تقدر أن تمتنع عن خدمته!.
حبها لعريسها يشعل حبها لاخوتها :

عندما قدمت حبها كله للرب أتسع قلبها لاخوتها فقامت تطلب عنهم، قائلة:
"لَنَا أُخْتٌ صَغِيرَةٌ لَيْسَ لَهَا ثَدْيَانِ.
فَمَاذَا نَصْنَعُ لاُُخْتِنَا فِي يَوْمٍ تُخْطَبُ؟!
إِنْ تَكُنْ سُوراً فَنَبْنِي عَلَيْهَا بُرْجَ فِضَّةٍ،
وَإِنْ تَكُنْ بَاباً فَنَحْصُرُهَا بِأَلْوَاحِ أَرْزٍ.
أَنَا سُورٌ وَثَدْيَيَّ كَبُرْجَيْنِ،
حِينَئِذٍ كُنْتُ فِي أعينهم كَوَاجِدَةٍ سَلاَمَةً" [٨ –١٠].
هذه العبارات البسيطة تحمل دستورًا لحياة الخدمة تتلخص بنوده في النقاط التالية:
1. إدراك مركز غير المؤمنين بالنسبة للكنيسة، أنهم يمثلون "الأخت الصغيرة"، ليست أختها فحسب، بل هي أخت للعريس كما للعروس. خلال هذا المنظر لا تتعامل الكنيسة مع غير المؤمنين، حتى المضايقين لها أو المضادين للحق... وإن كانوا حتى ملحدين، على مستوى المعلم مع التلميذ بل الأخ الأكبر الذي يترفق بالأصغر. قد تخطئ الأخت الصغرى في حق الكبرى، فلتحتملها الثانية لأنها "الكبرى"، ولتعطها عذرًا لأن الصغرى ليس لها ثديان... أي لم تكتشف الحق خلال العهدين.
2. إن سرّ ضعف الصغرى أنها بلا ثديين، فعمل الكبرى تقديم كلمة الله أي العهدين القديم والجديد، لكي تتذوقهما الأخت الصغرى وتحبهما وتقتنيهما كثديين لها. هذا هو عمل الكنيسة الإنجيلي... تُقديم كلمة الله الحية لكل إنسان.
3. ماذا تفعل الكنيسة للأخت الصغرى وقد طلبها العريس كخاطب وها هي بلا ثديين؟! لتعاملها بكل عطف وحب، فلا تعيرها ولا تجرح مشاعرها وإنما تترفق بها وتقدم لها كل إمكانية. فإن كانت الصغرى سورًا تبني عليها برجًا فضيًا، وإن تكن بابًا تُحصرها بألواح الأرز... إنها تسندها بالعمل الإيجابي.
تُقدم الأخت الكبرى نفسها وحياتها للصغرى، فتقول لها إن كنتي في حاجة إلى سور يحوط حولك وبرجين يرتفعان بك... فأنا في خدمتك "أنا سور وثدييّ كبرجين". اقبلي السيد المسيح الذي في داخلي سورًا لك وكتابي المقدس ثديين يشبعانك.
4. لا يقف الأمر عند معالجة ما نقص في حياة الأخت الصغرى التي بلا ثديين، لكن الكبرى تبني عليها برجًا من الفضة وتحوطها بألواح أرز... وكأنها تسند أختها حتى تصير خادمة عاملة في كرم الرب. إن عمل الكنيسة هو الدخول بغير المؤمنين إلى الإيمان ودفعهم إلى الشهادة العملية لكلمة الله أمام الغير... بهذا يصيرون كالبرج الفضي (الفضة تُشير لكلمة الله المصفاة كالفضة، والبرج يُشير للشهادة العلنية).
بهذا تصير الكنيسة في أعين الجميع كواجدة سلامًا حقيقيًا في حياة البشرية.
حوار ختامي :

"كَانَ لِسُلَيْمَانَ كَرْمٌ فِي بَعْلَ هَامُونَ،
دَفَعَ الْكَرْمَ إِلَى نَوَاطِيرَ (حراس)،
كُلُّ وَاحِدٍ يُؤَدِّي عَنْ ثَمَرِهِ أَلْفاً مِنَ الْفِضَّةِ،
كَرْمِي الَّذِي لِيّ هُوَ أَمَامِي،
الأَلْفُ لَكَ يَا سُلَيْمَانُ وَمِئَتَانِ لِنَوَاطِيرِ الثَّمَرِ.
أَيَّتُهَا الْجَالِسَةُ فِي الْجَنَّاتِ،
الأَصْحَابُ يَسْمَعُونَ صَوْتَكِ، فَأَسْمِعِينِي.
اُهْرُبْ يَا حَبِيبِي وَكُنْ كَالظَّبْيِ أَوْ كَغُفْرِ (صغير) الأَيَائِلِ عَلَى جِبَالِ الأَطْيَابِ" [١١–١٤].
1. إذ تدخل الكنيسة بالعالم إلى عريسها السيد المسيح... تدعو الكل أن يتمتع به، وهنا توضح الكنيسة مبدأ هامًا في الخدمة: إن الكرم إنما هو كرم المسيح، وهو الذي يعمل فيه خلال الكرامين، لذلك تقول: "كَانَ لِسُلَيْمَانَ كَرْمٌ فِي بَعْلَ هَامُونَ". إن الكرم ليس كرمها، بل هو كرم "سليمان الحقيقي"...
في هذا يقول القديس أغسطينوس[17]: [الله يقوم بفلاحتنا نحن كرمه... أما زرعنا فهو العمل الذي في قلوبنا، وهو لا يعمل بأيد بشرية. إنه يقوم بفلاحتنا، كما يصنع الفلاح بحقله. يقول الرب في الإنجيل: "أنا الكرمة وأنتم الأغصان... أبي الكرام" (يو ١٥: ١، ٥). وماذا يفعل الكرام؟ إنه يقوم بفلاحة حقله. فالله الآب كرام له حقل يقوم بفلاحته وينتظر منه ثمرًا. ويقول الرب يسوع المسيح نفسه أنه: "غرس كرمًا... وسلمه إلى كرامين"، هؤلاء ملتزمون بتقديم الثمار في أوانها].
كما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم[18] تعليقًا على قول الرسول:["فإننا نحن عاملان مع الله وأنتم فلاحة الله، بناء الله" (١ كو ٣: ٩)... الحقل لا يُنسب لمن يزرع فيه بل لمالكه].
2. كلمة "بعل" تعني "سيد" أو "ملك"، "هامون" تعني "الجموع"[19]. وكأن كرم السيد المسيح، ملك السلام، إنما هو جموع البشرية... يصير ملكًا لهذه الجموع ليدخل بهم إلى سمواته.
3. لقد سلم الرب هذه الكرم لكرامين... "دَفَعَ الْكَرْمَ إِلَى نَوَاطِيرَ" لكنه لا يكف عن أن يعتني بالكرم بنفسه ويهتم به في محبة شديدة، إذ يقول "كرميّ الذي ليّ هو أمامي". يحرسه بنفسه ليلا ونهارًا (إش ٢٧: ١–٣)، لا يبخل عليه بشيء، حتى في عتاب يقول: "احكموا بيني وبين كرمي: ماذا يصنع أيضًا لكرميّ وأنا لم أصنعه له؟!" (إش ٥: ٣-٤).
4. ما هو الثمر الذي يطلبه ملك السلام؟ "كُلُّ وَاحِدٍ يُؤَدِّي عَنْ ثَمَرِهِ أَلْفاً مِنَ الْفِضَّةِ". هذا ما يطلبه من الكرامين أن يقدم الكل ألوفًا، لأن الألف تُشير إلى السماء والحياة السماوية[20]. فالله لن يقبل من الخدام إلاَّ الثمر الروحي السماوي. هذا هو عمل الكنيسة ورسالة خدام الكلمة... أن يدخلوا بالمخدومين إلى الحياة السماوية.
5. إن كان الثمر يُقدم لحساب السيد المسيح فما هو نصيب الخدام؟ "الأَلْفُ لَكَ يَا سُلَيْمَانُ وَمِئَتَانِ لِنَوَاطِيرِ الثَّمَرِ". وربما قصد بالمئتين أن يكون مئة لرجال العهد القديم ومئة لرجال العهد الجديد، فالثمر كثير يتمتع به كل الخدام في العهدين. لهذا يقول الرسول بولس لشعبه: "يا سروري وإكليلي" (في ٤: ١).
6. إذ تعمل الكنيسة في كرم الرب، ويدرك العاملون أنهم يعملون لحساب السيد المسيح الذي له "الألف" وأيضًا لحساب أنفسهم فلهم "المئتان" يصيرون كمن هم في وسط الجنات. يتحول الباب الضيق والطريق الكرب إلى نير هين وحمل خفيف. يعيشون وهم على الأرض كمن في فراديس مفرحة، لذا يُناجي الرب عروسه قائلاً: "أَيَّتُهَا الْجَالِسَةُ فِي الْجَنَّاتِ، الأَصْحَابُ يَسْمَعُونَ صَوْتَكِ، فَأَسْمِعِينِي". صوت حبك لم يعد مكتومًا، بل يسمعه الذين على الأرض كما يفرح به السمائيون... والآن تعالي إلى لكي أسمع صوتك العملي المفرح، تعالي "رثي الملكوت المعد لكِ منذ إنشاء العالم".
إنها كلمات عريس يفرح قلب عروسه، ويؤكد لها أن ما تصنعه تنال ثماره على مستوى أبدي.
أما هي فتُجيبه بالفرح قائلة: "اُهْرُبْ (اسرع) يَا حَبِيبِي وَكُنْ كَالظَّبْيِ أَوْ كَغُفْرِ (صغير) الأَيَائِلِ عَلَى جِبَالِ الأَطْيَابِ". لقد سبق فرأينا لماذا تُشبه الكنيسة عريسها بالظبي وبأصاغر الآيائل... هنا تستجيب لدعوته قائلة أسرع إليّ وتعالى فإنيّ مشتاقة إليك... إن كنت تدعوني أن ألتقي بك لتسمع صوتي، فأنا أيضًا محتاجة أن ألتقي بك.
ولعل مجيئه مسرعًا على جبل الأطياب يذكرنا بالأطياب التي كُفن بها السيد، فإنه يلتقي معها خلال دفنها معه... إذ تموت معه كل يوم، لكي تحيا معه إلى الأبد.
هذا هو ختام النشيد... وكأنها تُردد ما قالته العروس في سفر أبوغلامسيس (الرؤيا): "آمين. تعال أيها الرب يسوع"!

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
تفسير نشيد الانشاد الاصحاح7,8
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى البابا كيرلس ومارمينا يرحب بكم :: منتدي الكتاب المقدس :: تفسيرات الكتاب المقدس-
انتقل الى: